محمد سالم أبو عاصي
60
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
الباقين . . فعذر الماضين : أن اللّه أنزل هذه الآيات قبل أن تحرّم عليهم الخمر ، وحجة على الباقين : لأن اللّه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ سورة المائدة : 90 ] . . ثم قرأ إلى آخر الآية . قال ابن عباس : فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ؛ فإن اللّه قد نهى أن يشرب الخمر . فقال عمر : صدقت . وسر الغلط - كما يقولون - أن قدامة بن مظعون غفل عن موضع نزول الآية الأولى ، وأنها كانت فيمن مات من الصحابة قبل نزول الآية في تحريم الخمر . هكذا يقول الشاطبي في " الموافقات " في هذا الموضع ، وسلمه له شارحه العالم الجليل الشيخ عبد اللّه دراز ، وكذلك غيرهما من الكاتبين في علوم القرآن ، قديما وحديثا . غير أن الأستاذ الجليل الدكتور محمد سعاد جلال تعقبهم بأن " هذه المسألة ليست من قبيل الجهل بمعرفة السبب ؛ لأن المراد بالسبب ( الذي تنزل بعض الآيات جوابا عليه ) إنما هو سبب محدد . أما هذه الواقعة ؛ فلا يعدو الحال أن تكون الآية الأولى نزلت في تاريخ سابق عامة في جميع المؤمنين ، وفي جميع أجزاء الزمان الذي كانوا فيه ، بحيث لو لم تنزل الآية الثانية لما أمكن القول بأن الآية الأولى جاءت موضوعة على سبب خاص . وإنما هذه الواقعة ترد إلى قاعدة العام ، وتخصيص العام . ذلك . . أن كلمة " فيما طعموا " تنحلّ إلى كلمتين : " ما " الموصولة ، وهي تفيد العموم . و " طعموا " صلتها المفسّرة لمعناه . ومعنى " طعموا " : تناولوا . والمعنى الكلي للجملة : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح في أي شيء تناولوه ، ولو كان هو الخمر ، لمن كان متصفا بالإيمان والتقوى